Day: فبراير 22, 2013

من ذكريات الثورة

 

 

حتى لا يُظلم عندكم أحد
لا أحد ينكر أهمية الحفاظ علي ثورة الليبيين ، الحفاظ عليها من عدة آفات كالردة  الإنحراف الإنتهاز  و الإنتحال  التسلق و السرقة و ذلك لأن الليبيين قد دفعوا ثمنا باهضا لها و بذلوا جهدا لم يكن يسيرا . من هنا تأتي أهمية تنقية الأجواء السياسية داخل البلاد و لم يكن هنالك من أداة سوى إقتراح قانونا ينظم ذلك قد تطلق عليه عدة تسميات من بينها ما فضله البعض بقانون العزل السياسي . و لكن يفترض التركيز علي صفة العدالة أولا ( بالتحديد الدقيق للمستهدفين بالعزل السياسي  دون ظلم أو حساسيات أو إسقاطات نفسية ) ، و بعد تحديد الشرائح المستهدفة يفترض التركيز علي صفة الشمولية أو العمومية ( أي بعد التأكد من عدم وقوع ظلم علي التصنيفات المستهدفة بدقة يتم تطبيق القانون عليها دون إستثناءات من القانون ، و هذا يفترض ألا يعني إنتفاء إجراءات الطعن و التظلم ). لذا يجب أن يكون هذا القانون عادلا و نزيهاً .
البعض يتحجج مسبقا بأن هذا القانون قد يحتوى علي شيئا من الظلم و لكن يجب علي المظلومين التضحية !!! ، و لكن هذا المبرر لا يستقيم مع أبسط مباديء العدالة للأسباب التالية :
أولا : أن الممارسة السياسية و الإدارية هي حقوق معنوية للإنسان كالحريات لا يمكن التنازل عنها و لا التضحية بها  ليوم أو لخمس أو عشر سنوات كالأشياء المادية .
ثانيا : أن حقوق الممارسة السياسية و الإدارية هي ليست كالخمر كما ردد البعض إثمها أكثر من منفعتها لذا يجب تحريمها بالعزل السياسي علي المعزولين الذي منفعته أكثر من إثمه  ( راجع مداخلة الأستاذ الفاضل: جلال حسن عضو المؤتمر العام بقناة ليبيا الوطنية بتاريخ 20.02.2013 ).
ثالثا : القول أن هناك ظلما لا نعلمه قد يقع  و يجب التضحية به ، هو قول يكون منطقيا إذا كان القائل لا يعلم مسبقاً و تحديدا بأن هناك مظلوم فعلا ، أما إذا تم تنبيهه بالأدلة القاطعة بشكل مبكر إلي حجم هذا الظلم  فإن هذه الحجة لا تستقيم .
رابعاً : القول بإمكانية  حدوث ظلم محتمل كأثر لهذا القانون و يجب أن يضحي المظلومين . هنا يثار التساؤل التالي : لماذا إذن الإستثناءات ؟ و لماذا لا يضحي الذين تم إستثناؤهم من هذا القانون هم أيضا ؟
خامسا ً : إن العلم المسبق بمن سيقع عليه الظلم و مطالبته بتحمل هذا الظلم  تغليبا للمصلحة العامة هو مشابه تماما لأحد مباديء الشيوعية  حيث لا إعتراف بالحقوق و الحرية الفردية في عجلة الدولة الحاكمة .
سادساً : إذا كان هنالك إعتراف مسبق بإحتمالية شبهة الظلم جراء هذا القانون ، لذا يفترض الآتي :
1- فتح باب الطعن في هذا القانون دستوريا و حقوقيا ( من وجهة نظر حقوق الإنسان ). فإذا كان علي حق و عادل  فسيصمد كالفولاذ و إذا كان مشبوهاً  فسيكون كالعهن المنفوش.
2- فتح باب التظلم و المطالبة بالتعويضات العادلة لكل من وقع عليه الظلم جراء هذا القانون أمام القضاء الليبي . أما إذا كانت هناك تحجج بعدم الثقة في القضاء الليبي ( و تلك كارثة دونكيشوتية ) فبالإمكان إنتداب و إعارة قضاة دوليين مشهود لهم بالكفاءة و تثقون فيهم لهذه المهمة  ( مثلا من أمريكا ، بريطانيا ، فرنسا و غيرها ) و قد فعلت ليبيا ذلك في بداية تأسيسها أيام الملكية و هذا ليس عيبا إذا كان طرفا محايدا .
و عليه فإن القانون لا يطلق عليه قانون إلا إذا كان قضائي و يتسم بسمات كثيرة أهمها و أخطرها هي العدالة و الملاءمة و إلا لن يكون قانوناً ، أما التبرير بأن القضاء لا يحاكم إلا بالأدلة  و لا يحاكم علي السلوك  ( راجع مداخلة السيد توفيق ابريك علي قناة ليبيا الأحرار بتاريخ 21.02.2013 ) فهذا لا يكفي لسلب القضاء أحد إختصاصاته الصميمية و خصوصا أننا نؤسس لدولة القانون .
في النهاية ، إحقاقاً للحق و إستظلالا بالعدل بين الناس ، يفترض إعطاء كافة الضمانات بتفعيل كافة مراحل التقاضي بروح مليئة بالثقة في النفس دون  توجسات إذا كانت العدالة هي المنطلق و الهدف . أعيد ، نحن هنا لا نطالب بعدم العزل السياسي ، بل نطالب به و بحنبلية زائدة علي كل من إستباح أرواح و حياة و أملاك و أعراض و حريات الليبيين و الليبيات ، و لكن إنتبهوا أيها السادة أن يُظلم عندكم أحد .
 
بقلم : د. محمد يونس الدرسي