الأيام الخمسة التي صنعت الثورة الليبية / مهندس طيار الصالحين محمد الزياني

الأيامالخمسةالتيصنعتالثورةالليبية

الجزءالسادس

لم يعرف سكان مدينة بنغازي النوم في الأيام والليالي التي تلت يوم اندلاع الثورة، الثلاثاء 15/2/2011م. فلم تهدأ حدة ثائرتهم في تلك الأيام المباركة التي صنعت الثورة الليبية المجيدة. ولم يتوقف حراكهم وتظاهرهم في غضونها ـ ولو للحظة ـ ضد حكم النظام الظالم المستبد الذي جثم على صدورهم لأكثر من أربعة عقود متتالية. حيث اسْتَمَر خروجهم للشوارع والميادين والساحات العامة، واستمر معه تصادمهم مع عناصر وأزلام النظام، الذين لم يتورعوا عن اِستخدام كافة الوسائل والأساليب القمعية، التي في حوزتهم، لحماية نظام حكم سيدهم المُتداعي.

وكان أهم وأبرز تلك الأيام المهيبة قَاطِبة، هو يوم بَدْء المعركة الحاسمة التي خاضها ثوار مدينة بنغازي ضد عناصر قوات الكتيبة البغيضة، المعروفة بكتيبة الفضيلبوعمر، المتمركزة في معْقِلها الحصين، بداخل معسكر البركة، ومحتمية بأسواره؛ والتي كان جل مهامها تنحصر في قمع أهالي المدينة ومنعهم من التظاهر، ولهذا لم يكن هناك مناص لأهل بنغازي، وطليعتهم الثائرة (من شبابها الأبرار)، من القتال لأجل اِخْتِراق أسوار المعسكر اللعين، لمواجهة عناصر كتيبة الطاغوت المُخْتبئة بداخله.

 libya15

وكتيبة الفضيل بوعمر(*) ـ لمن لا يعرفها ـ هي قوة عسكرية شديدة المرّاس، أسسها القذافي بعناصر مدربة على أعلى مستويات القتال العسكري، وجهزها بأحدث أنواع الأسلحة الحربية المتقدمة، وجعل مهمتها وهدفها الرئيسي ينصب في أن تكون قُوته الضَّارِبة في قلب مدينة بنغازي، لمنع أهلها من التظاهر والتعبير عن رأيهم. أو بعبارة أُخرى، منعهم من إبداء رفضهم لسياساته الظالمة الرّعْناء، والحيلولة دون إعلان اِحْتجاجهم على حكمه الفاسد المستبد. ومن جهة أُخرى، فإن الكتيبة المذكورة تقع ضمن مجموعة كتائب وقوى عسكرية أخرى منتشرة في أرجاء البلاد، أوكل القذافي أمر رئاستها العليا لابنه (النقيب) خميس، وتم إدراجها في التصنيف العسكري الخاصّ تحت مسمى “اللواء 32 معزز”.

ولكن القذافي، كمثل كافة طغاة الأرض الذين شهد التاريخ البشري على جورهم واِسْتِبدادهم وفجورهم وفسادهم، لم يحسب حساب قدرة وإرادة الشعوب عندما تثور على أنظمة الحكم الفاسدة، على شَاكِلة نظام حكمه لليبيا؛ فهي كالطوفان، الذي لا تملك قوة في العالم ـ غير قوة الله ـ القدرة على وقف سيلها الجَارِف، الذي يقتلع كافة ما يقف في طريقه، أو يحاول صده. وهذا ما حدث على وجه التحديد في بنغازي، التي لم يجد أهلها أمامهم من وسيلة لإعلاء كلمة الحق ضد السلطان الجائر، وإعلان رفضهم له ولنظامه الكريه، سوى بالتخلص من ركائز قوته المتمثلة في الكتيبة المذكورة، التي زرعها لهم بوسط مدينتهم من أجل قمعهم ومنعهم من التعبير عن مكنون رأيهم في حكمه الظالم، الذي هيمن على بلادهم بالقوة الغاشمة لعقود زمنية طويلة قاسية.

 albra

وهكذا توجه ثوار مدينة بنغازي الباسلة إلى معقل كتيبة الفضيل بو عمر بمعسكر البركة، حيث يقبع عناصرها بداخله، في حِمَى أسواره العالية الحصينة. وكان على رأس قيادتها العقيد بلعيد كمبال إلى جانب آمرها موسى العوامي. فقاموا الثوار في هذا الإطار بمحاولات حثيثة لاختراق أَسْوَار المعسكر المنيعة، من خلال التسلق على جدرانها، ومحاولة تخطّيها إلى الداخل. ولكن محاولاتهم الشجاعة باءت بالفشلِ الذَرِيع، لشدة اِنْهِمار الرصاص عليهم من صوب المعسكر كالمطرِ الغزير، والذي كان معظمه ينهال على أجسادهم الطاهرة، ليُردِيهم شهداء عند ربهم (ونعم المصير).

ولابد هنا، من الإشارة لحدثين، تجدر الإيماءة إليهما، ويتمثل أولهما في رفض بعض جنود كتيبة الفضيل بو عمر، من الذين تعود أصولهم لمدينة بنغازي، أوامر إِطْلاق النار على المتظاهرين، وعددهم يربو على واحد وستين جنديا، والذين تم وضعهم ـ بسبب موقفهم النبيل الشجاع ـ على الفور، رهن الاِعْتقالِ، وإيداعهم بزنزانات سجن المعسكر، بأوامر صادرة من صهر العقيد المقبور، ورئيس مخابراته، عبد الله السنوسي، الذي كان في حينه بمدينة بنغازي، يشرف على عملية قمع المتظاهرين. ولكن معظم جنود وضباط الكتيبة، كانوا من القذاذفة.APTOPIX Mideast Bahrain Protests

أَمَّا الحدث الثاني، فكان موقف الأبطال الأشاوس الذين رفضوا أوامر عبد الله السنوسي لهم بنقل الذخيرة من منطقة الرجمة (وتبعد عن بنغازي ـ حوالي ـ 30 كيلومتر)، إلى كتيبة الفضيل بو عمر بمعسكر البركة، التي كانت تعاني من نقص في الذخيرة، وهؤلاء الأبطال هم: المقدم طيار عبد الرحمن ابريك الغرياني، و(ر.ع.و) طيار عبد الرحيم المبهدل، وفني جوي محمد البزار.

ويروي المرحوم اللواء عبد الفتاح يونس في هذا الخصوص، بأنه قد جرت عدة مفاوضات بشأن إِخراج الكتيبة من مدينة بنغازي، وإحْلال قوة الصاعقة مكانها. غير أن القذافي رفض هذا الأمر بَتَاتاً. وأوعّز إلى أبو بكر يونس بالاتصال باللواء عبد الفتاح يونس ليخبره بأنه قد تم إِرْسال قوات داعمة لقمع اِنْتِفاضة أهل المدينة، على متن طائرات حربية. وتُشير بعض الأنباء المتناقلة حول هذا الشأن، بأن آمر كتيبة الفضيل بو عمر كان على اِتّصال مباشر مع مصطفى الخروبي وأبو بكر يونس جابر (عضوي مجلس قيادة اِنْقِلاب سبتمبر العسْكرِي)، وقد طلب منهما مده بدعم عسكري عاجل.Feb-17.2012-Benghazi-245

ومن جهة، جرت محاولات من قبل الثوار لإقْناعِ قوات الصاعقة بالانضمام إليهم حتى يتمكنوا من التغلب على عدوان كتيبة الفضيل بو عمر، ولكن ذلك لم يتحقق إلاّ في وقتٍ تالٍ. ومن جهة أُخرى، فإنه على الرغم من تكرار اللواء عبد الفتاح يونس، لقيادته بطرابلس، بأنه لا يحتاج لدعم عسكري، بل لمحاولة تهدئة الأوضاع بالوسائل السلمية، والتي تبدأ أولى خطواتها بإِطْفاءِ فتيل شرارة الغضب العارم بين أهل المدينة، من خلال سحب كتيبة الفضيل بو عمر، وإحلال قوة الصاعقة محلها، لما تحظى به الأخيرة من اِحْترامِ بين سكان المدينة، وهذا على عكس قوة الكتيبة ـ المنوه عنها ـ التي يمقتها أهل المدينة بشدة بالغة. وأشار عبد الفتاح يونس لقيادته بطرابلس، إلى أنه من شأن مثل هذا الإجراء أن يحقن الدماء ويمهد الطريق أمام فتح باب التفاوض السلمي مع أهل المدينة حول مطالبهم المرفوعة.

وقال اللواء عبد الفتاح، لأبو بكر يونس في هذا الخصوص، بأن قوة الصاعقة لديها سمعه طيبه في أوساط الناس بمدينة بنغازي، ولهذا فإنه من الأفضل، أن يتم إحلالها مكان كتيبة الفضيل بو عمر. فجاء رد أبو بكر يونس حاسِما، حيث قال بأن القذافي مُصر على مكوث الكتيبة بمدينة بنغازي، ولا يوافق إطلاقا على خروجها من المدينة.

وهكذا استمر عناصر الكتيبة الملعونة في ممارسة أعْمالهم الإِجرامِيّة النكراء بقتل المتظاهرين الأبرياء، وَفْقا للمخطط القذر الذي كلفهم بمهمته الطاغية (المقبور). ورغم ذلك، فقد حاول عبد الفتاح يونس، من خلال تفاوضه مع آمر الكتيبة موسى العوامي، بتدبير خطة تفضي إلى تخفيف حدة إطلاق النار، وفتح فجوة صغيرة بسور المعسكر الذي تحتمي الكتيبة خلفه، لكي تتمكن عناصرها من الخروج، ثم تحل قوة الصاعقة محلها. ومن هذا المنطلق قام عبد الفتاح يونس بجلب سيارتين من سيارات الصاعقة المكشوفة، وقام بتزويدهما بمكبرات صوت؛ غير أن كثافة الرصاص الذي لم ينقطع وابل نيرانه للحظة واحدة، حال دون التمكن من ذلك. حيث لم يستجب عناصر الكتيبة لطلب عبد الفتاح يونس بوقف نيرانهم في هذا الخصوص.

وقد شبه المحامي عبدالسلام المسماري، وهو أحد شهود العيان، شجاعة الشُبَّان (الثوار) في ذلك اليوم، وإقْدامهم على الموتِ دون خوف أو مهابة، مثل الفراشات التي تذهب للضوء أو أشِعّة النارِ من تلقاء نفسها، لتحترق وتموت. بمعنى آخر، لم يكن الثوار يخشون الموت، بل يذهبون إليه طواعية، من أجل اِخْتِراق الصّد المنيع وإيقاف عدوان الكتيبة المكروهة. فكانوا يهجمون على أسوار المعسكر ببسالة نادرة وهم يعرفون، تمام المعرفة، بأن الموت لهم بالمِرْصادِ.

وهكذا خاض شباب بنغازي مَلْحمة بُطُولِية ـ أسطوريّة ـ حامِية الوطِيس، وأعْطوا أمثلة رائعة لمعنى التضحية والإقْدام والشجاعة في قتالهم غيْر المُتكافِئ مع الزمرة الباغية. وقد كان من ضمن الوقائع المبهرة، التي تدعو للفخر بهم، وتزيد من مكانتهم في قلوب الناس، وتُثير الإعجاب بشجاعتهم الخارقة للعادة، أنهم كانوا يتقدمون نحو أسوار المعسكر في ما يشبه الصفوف، بحيث يتلقى من يسيروا في مقدمة الصف الأول ـ بصدورهم العارية ـ رصاص الغدر المصوب إليهم من جبناء الكتيبة، بينما يقوم إِخْوَانهم في الصف الذي يليه ـ من خلفهم ـ برمي قنابل المتفجرات المصنعة محليا (الجولاطينة) في اتجاه الرَعادِيد.

وهذا ما جعل عناصر الكتيبة يوقنون بأن الأمر لا يعدو عن كونه مسألة وقت، قبل أن يتمكن هؤلاء الشباب من اِقْتِحامِ أسوار المعسكر، فلقد رأوا فيهم الشجاعة والجسارة وشدة العزيمة والتصميم على تحقيق مرادهم، دون أدنى اِكْتِراث بالرصاص المنهال عليهم، أو الخوف من صوت باروده المدوي، فهم لا يرعبهم الموت، بل أنهم ـ على ما يبدو ـ يرحبون بمقدمه ويهرولون إليه حَثِيثًا.

وكان يوم السبت 19/2/2011م، من الأيام العصيبة التي ودعها أهل مدينة بنغازي، بمواراة المزيد من أبنائهم (الشهداء) تحْتَ الثّرى، وبإيداع المزيد من المصابين والجرحى في المصحات والمستشفيات. ومع ذلك، فلم تضعف عزيمة الشباب الثائر، ولم تهن إرادتهم وتصميمهم على محاربة قوات الطاغوت. وقد أثلج صدور الثوار وأهل المدينة بأجمعهم، في ذلك اليوم، الأنباء السارة التي زفت لهم خبر سقوط كتيبة “حسين الجويفي”، في شحات بيد الثوار، وتمكنهم ـ نتيجة لذلك ـ من الحصول على كميات كبيرة من الأسلحة.

وفي فجر يوم الأحد 20/2/2011م قدم إلى مدينة بنغازي بعض ثوار المنطقة الشرقية، من مدينة درنة ومدينة البيضاء وضواحيها، ومعهم بعض السيارات والأسلحة، من أجل مساعدة ثوار بنغازي في قتالهم ضد عناصر كتيبة الفضيل بو عمر. ويقول العقيد سليمان عبدالقادر الكاديكي آمر جناح الدروع بالرجمة، في هذا السياق، بأنه قد تم تزويد ثوار بنغازي بحوالي 85 بندقية، و4 رشاشات، و4 بنادق أف أن.

وقد تجلت شجاعة وبسالة ثوار مدينة بنغازي، في عاملين، كانا لهما الأثر الكبير في سقوط كتيبة الفضيل بو عمر بأيديهم: الأول، توصلهم لفكرة  اِستخدام آلة البلدوزر لفتح ثغرات في سور المعسكر الذي كان يأوي في داخله عناصر الكتيبة اللعينة. والثاني، تفجير الشهيد المهدي زيو للبوابة الرئيسية لذلك المعسكر البغيض، بسيارته الملغمة بأنابيب غاز ومتفجرات محلية الصنع. وفي ما يلي، شرح وَافِي لهذين العاملين وملابساتهما الكاملة:

  • عندما زادت كثافة النيران التي كان يطلقها جبناء الكتيبة الملعونة من خلف موضعهم الحصين، والتي وصل مداها إلى المباني المجاورة، بالإضافة إلى تزايد سقوط الشهداء من بين صفوف الثوار الأبرار، بدون إحْراز أدنى تقدم يذكر في مسألة اِقْتِحام المعسكر والنفاذ عبر أسواره المنيعة، لجأ الثوار لفكرة نيرة سديدة، مكنتهم في نهاية المطاف من تحقيق مبتغاهم. فقد أَحْضر الشهيد البار عبد الله خليفة الشريف، آلة “بلدوزر” من أحد مواقع العمل القريبة، وبدأ يهدم بها جداري السور الجانبي والخلفي للمعسكر المذكور، قبل أن يستشهد برصاص جبناء الكتيبة اللُعناء، ليواصل ـ من بعده ـ أحد رفاقه من الثوار الشجعان، محاولة هدم سور المعسكر بالبلدوزر السالف الذكر.
  • لقد كان الشهيد المهدي محمد زيو يعمل بعزيمة شديدة، لا تعرف الكلل من أجل إِنْجَاح الثورة التي شارك فيها منذ بدايتها، وحتى يوم الأحد 20/02/2011م الذي صعدت فيه روحه الطاهرة إلى بارئها. فقد اِنْضمّ الشهيد (الثائر) إلى صفوف الثوار منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة المباركة. ويروي أحد أقاربه في هذا الخصوص، أنه كان يقوم بالتحرك الدائم بين الناس يحثهم ويشجعهم على الصمود والقتال من أجل حماية بنغازي. وفي آخِر حديث جرى بينه وبين قريبه، عَبّرَ الشهيد المهدي زيو عن خواطِرِهِ الحزينة لتزايد أعداد القتلى من أهل مدينته، وعن شَجْنِ نفسه البالغ لرؤيته منظر أشلاء وجثت الشهداء بالمستشفى، وعن كَلْمه النفسي لمعاناة المصابين والجرحى، وعن حُرقةِ قلبه ولوعته لذهابه اليومي المتكرر إلى المقبرة لدفن جموع الشهداء الأبرار؛ وعن غضبه وحنقه الشديد نحو عناصر قوات الطاغية الأشرار الذين يقتلون الأبرياء من المدنيين بدم بارد، ثم يلوذوا بعد ذلك بمعسكرهم الحصين، الذي يأوي كتيبتهم المَمْقُوتة.

كل المشاعر الحزينة المريرة السابقة، التي أعتملت في نفس الشهيد المهدي زيو، وأَسَرّ بها لقريبه، في آخر حديث جرى بينهما، كانت الباعث الأساسي لاتخاذه قرار التضحية بنفسه من أجل تفجير بوابة المعسكر الذي يأوي عناصر الكتيبة البغيضة، حتى يتمكن رفاقه الثوار من دخول المعسكر والقضاء عليهم. وبذلك تتخلص مدينته بنغازي من شرهم الفاحِش، ويأمن أهلها من ظلم عدوانهم.

وهكذا توجه شهيدنا البار، في يوم عرس استشهاده، لبيت أسرته لوداعها وطلب الصفح والسماح من جميع أفرادها، دون أن يعلمهم بسريرة نفسه، وما كان ينوي أن يفعله في ذلك اليوم المَشْهُود. ولم يكن يخطر ببالهم أنه كان ينوي القيام بتحطيم الباب الرئيسي لمعسكر البركة الذي تحتمي الكتيبة المبغوضة وراء أسواره المنيعة، وذلك حتى يُتيح الفرصة للثوار لدخول المعسكر والإجْهَاز على عناصرها الشريرة، خاصة بعد أن أَرْبكهم هدم أجزاء من الجدار الجانبي والخلفي للمعسكر بالبلدوزر، كما سلف الذكر.

قرر الشهيد المهدي زيو حمل أسطوانات غاز بيته وقنابل مصنعة محليا (جولاطينة) في سيارته، والهجوم بها على البوابة الرئيسية للمعسكر. ويحكي حامد صلاح، جار المهدي زيو، والذي يبلغ من العمر 20 سنة، أنه شاهد المهدي وهو يضع عبوات الغاز داخل سيارته، وعرض عليه المساعدة في حملها، وكان ذلك في مساء يوم السبت 19/2/2011م.

وتوجه زيو لمعسكر البركة يوم 20/2/2011م في أثناء تشييع جنازة الشهداء الذين قتلوا في اليوم السابق، وبينما كانت الجنازة تشق طريقها قرب أسوار المعسكر الذي تلبد بداخله قوات كتيبة الفضيل بو عمر، اخترقت سيارة المهدي زيو المسرعة الطريق متجهة نحو بوابة المعسكر المزدوجة الحواجز. وبلمح البصر كانت سيارته قد حطمت الحاجز الأول للبوابة وتخطته للحاجز الثاني الذي يليه، ثم أنفجرت بعبواتها الناسفة محدثة دوي رهيب يصم الآذان.

ويصف السيد نبوس المشهد بقوله أن سيارة المهدي قد أنفجرت عند الحاجز الثاني للمعسكر، وهو ما يعني انه دخل مسافة أكثر من 30 مترا من نقطة الحاجز الأمني الأول، مؤكدا بأن العملية أربكت عناصر الكتيبة والأمن. وفي ذات الوقت. ومن الجانب الآخر، فإنه عندما رَأى الثوار بالخارج، أعمدة الدخان تتصاعد من منطقة البوابة الرئيسية، تأكد لهم بأن البوابة قد دُمرت، وهذا يُعد من بشائر النصر العزيز، الذي سخره الله لهم. ويُعد ذلك، بدون ريب، اِنْقِلاب وتغير في موازين المعركة لصالحهم.

وتقول زهور ابنة المهدي زيو، بأن أسرتها فقدت الاتصال بأبيها، الذي لم يكن يرد على مكالماتهم المتكررة له على جهاز تليفون موبايله. فقد أغلق خط تليفونه من بعد الساعة الواحدة والنصف من ظهر يوم الأحد 20/02/2011م؛ ولذلك لم يعرفوا من أمره شيء. ولم تصلهم أية أخبار عنه حتى اليوم التالي، حين تم إبلاغهم باستشهاده.

وعلى مستوى آخر، فإن القذافي لا يحجم أو يتورع عن قتل كافة أهل مدينة بنغازي بأسرهم، إذا أستعصى عليه أمر قمعهم كلية، ومنع مظاهراتهم الرافضة لسياساته الظالمة. بل هُوَ على اسْتِعدادٍ لقتل كافة أفراد الشعب الليبي، إذا لزم الأمر ذلك، في سبيل البقاء في السلطة. ولقد تجلى هذا الأمر بوضوح لا لبس فيه، عندما أعطى أوامره باِسْتِخدام سلاح الطيران لقمع المتظاهرين.

وقد صدرت الأوامر الأولى من قبل أعوان القذافي باِسْتِخدام سلاح الطيران، في محاولة منهم لترجيح كفة ميزان المعارك الدائرة ضد الثوار بالمنطقة الشرقية لصالح قواتهم الباغية، في يوم الجمعة 18/2/2011م، عندما تم تكليف العقيد طيار المهدي الصغير والنقيب طيار صلاح الدرسي بقصف مخازن الذخيرة في وادي بوصفية ومنطقة قندولة شرق مدينة بنغازي. وذلك حتى يتم حرمان الثوار من الاِنْتفاع والاِسْتِفادة من كميات الذخيرة الهائلة المكدسة بمستودعاتها في قتالهم ضد قوات النظام، وعلى وجه الخصوص ضد قوات كتيبة الفضيل بو عمر.

غير أن ضميري الطيارين المذكورين لم يطاوعهما لفعل ذلك، حيث قاما بالتحليق فوق المناطق المطلوب قصفها، وعادا إلى قاعدتهما دون إطلاق قذيفة واحدة، وقاما بكتابة تقرير إلى آمر قاعدتهما العقيد طيار مختار الجعفري يشيران فيه إلى أن الرؤية كانت منعدمة، مما تعذر ـ معه ـ عليهما ضرب الأهداف المحددة.

وفي اليوم التالي، السبت 19/2/2011م، كلفهما العميد مصباح زيادة آمِر كتيبة تاقرفت، بِناءً على تعليمات خميس بن القذافي، بضرب معسكر شحات، حيث قال لهما بأنه هناك عصابات إِجْرامية أستولت على مقاليد كتيبة حسين الجويفي في شحات، وعليهما أن يقوما بقصف مقر الكتيبة بمعسكر شحات، بالكامل، بما في ذلك كافة الدبابات المتواجدة بداخل المعسكر.

ولكن الشهامة ويقظة الضمير أقتضت من هذين الطيارين العزوف عن تنفيذ هذا الأمر الإجرامي، فما كان منهما إلاّ اللجوء لنفس حيلة اليوم السابق، حيث قاما بالتحليق فوق سماء معسكر شحات، وعادا بطائريتهما إلى قاعدتهما دون إطلاق قذيفة واحدة على الهدف الذي تم تكليفهما بضربه وتدميره بالكامل. وتحججا بسوء الأحوال الجوية وغزارة الأمطار، التي لم تمكنهما من أداء مهمتهما بالصورة المطلوبة. فقام العميد مصباح زيادة، الذي كان برفقته المقدم بو لبيدة، بتوبيخهم ونعتهم بأنهم جبناء.

وجاءت أوامر اِسْتخدام الطيران للمرة الثالثة، لطيارين آخرين، هما العقيد طيار علي فرج الرابطي والطيار عبد الله سالم الصالحين، وكان الهدف في هذه المرة ضرب المتظاهرين بمدينة بنغازي. حيث صدر الأمر في هذه المرة من خميس القذافي مباشرة، في أثناء اجْتِماع خاص تَمّ اِنْعِقاده في مدينة سرت، ضم إلى جانب خميس القذافي، اللواء أبو بكر يونس جابر وبضعة من الضباط الآخرين، وعدد من الطيارين الحربيين، من بينهما الطيارين المذكورين اللذين تم تكليفهما بضرب متظاهري مدينة بنغازي.

ومرة أُخرى خاب مكر القيادة الشريرة في تحقيق مكيدتها الآثمة، فلم يكن لهذين الطيارين الشريفين أن يقوما باِرْتكابِ مثل هذه الجريمة الفاحشة. ولهذا قاما بالهرب بطائرتيهما (ميج أف ون) إلى مالطا، التي حطا على أرض مطارها عند الساعة الخامسة والنصف من مساء يوم الاثنين 21/2/2011م.

يتبعفيالجزءالسابع ..

مهندس طيار

الصالحينمحمدالزياني

salhinzeiani@hotmail.co.uk

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) من المفارقات المحزنة في هذا الإطار، إن هذه الكتيبة التي أسسها القذافي لأغراضه الشريرة، وجند لها ثُلّة من الأشرار، من أجل قمع أهالي مدينة بنغازي وترويعهم، قد أطلق عليها اسم كتيبة الفضيلبوعمر! أي أنه استخدم في تسمية كتيبته الشريرة اسم المجاهد والبطل الوطني الهمام، الذي كرس حياته، وضحى بها من أجل الدفاع عن حرية وطنه في مواجهة قوات الفاشية الإيطالية، التي كانت تحتل ترابه الغالي خلال العقود الأولى من القرن الماضي.

والفضيل بو عمر الأوجليالذييُلقبـأيضاًـباسم «الفضيلبوحوا» هوأحدرجالالجهادالليبيالأَشاوِسإبانفترةالاحتلالالإيطالي. وهونائبومستشارالسيدعمرالمختار. وقدنشأعلىأصولتربويةفاضلة،فحفظالقرآنالكريم،ودرسأصولالفقهوالتفسيروعلمالحديث،كمادرسالتاريخوالحساب،وتولىالإمامةوالوعظوالتدريسفيالشؤونالدينية. عِلاوةًعلىذلِكَتعلمالفروسيةوفنونالقتال.

جاهدالفضيلبوعمرفيمقتبلعمرهفيالجزائر،قبلجهادهفيبلادهليبيا،حيثتوجهللجزائرليُشاركفيقتالقواتالاحتلالالفرنسيمعالمجاهدينالجزائريين. وعندما عاد لبلاده، توجه لأهله بمناطق الواحات الجنوبية، وكرس نفسه لتعليم أهل المنطقة وحل مشاكلهم الاجتماعية والقبلية. ومن هنا، قام بإلْقاءِ الدروس الدينية والمواعظ. وسعى لحل المشاكل القبلية القائمة بين سكان أوجله والكفرة وبقية الواحات الجنوبية. واِنْتقل إلى واحة الجوف حيث أسس مدرسة دينية، صارت منارة علمية مشهورة. وواصل عمله في التعليم الديني وإلقاء دروس الإِرْشاد والوعْظِ والتوجيه والهِداية بين قبائل زويه والتبو وغيرهم.

وحيناحتلّتإيطالياليبيا،ورُفعلواءالجهادضدالمستعمرالغاشم،توجهالفضيلبوعمرإلىالجبلالأخضرلينضمإلىالمجاهدينبقيادةعمرالمختار،الذيقربهمنه،وجعلهمستشارهونائبهفيشؤونالجهادوالقتال. وقدقاتلالفضيلبوعمرالعدوالإيطاليبضراوةوشجاعةنادرة،واُسْتُشهدفيسبِيلِاللهِوالوطن،بإحدىالمعاركالحامية،بواديالسّفيّةبالقربمنمنطقةالاثرونفي20/9/1930م.

وقدشاركالفضيلبوعمرفيأثناءفترةجهادهـالذيداممداهمايقربإلىعشرينسنةـفيمعاركضَارِيةعديدة،منهاعلىسبيلالمثال،معركةبلالالثانيةغرباجدابيا،ومعركةالرحيبة،ومعركةبلقسبجنوبالفايدية،ومعاركواديالسهلوواديالمعلقوعينبوعمودوالمنايروالمخيليوسيديبوذراعوالكراهببسوسهوقرناده،وحلوقالجيروجردسالجراريوواديالكوف،والغريبوواديسمالوس،وغوطساسيوحلقبالذبان،وبلطعبدالحفيظوسيديبوزيدوغيرها. هذاغيرالمعركةالأخيرةفيحياته،التياُستشهدبها،وهيمعركةواديالسّفيّةفي20/9/1930م.

كانتمعركتهالأخيرةمعالفاشيست (المشارإليها)،والتياُسْتُشهدفيأتُونوَطِيسها،عنيفةبحدبلغتْضراوةُالقتالفيهاأَقْصاها. ورغمعدمتَكافُؤقوةالمجاهدينفيالعددوالعتاد،مععدوهمالذييملكجيشكبير،وأسلحةحربيةمتقدمة،إلاّأنهمتمكنوامنتكبيدهخسائرفادحةفيالأرواحوالمعدات. حيثقتلوامايزيدعلى500منجنودهوضباطه،بينمااُسْتشهدمنالمجاهدين51شهيدا. وقدإعترفغرسيانيـفيهذاالإطارـبالهزيمةلكنهقالبأنالانتصارالذيحققهجيشهلايقدربثمن،وهوقتلالفضيلبوعمر.

وقدبالغالفاشستفيغيّالانْتِقامالمفعمبالحقدوالكراهية،منخلالقطعهملرأسالشهيدالفضيلبوعمروحملهفيعلبةمنالصفيحإلىبنغازي،ثمقاموابتعليقهفيساحةميدانالبركة،بمغالاةتُظهرأحقرصورالتشفي،بمايعكسبربريةأصحابها،وعدماِحْتِرامهملقدسيةالموت،بلعدماحترامهملقيمةالإنسانعلىوجهالعموم. وسوفيظلمثلهذاالعملالهمجيغيرالأخلاقي،جريمةنكراءلاتغتفر،ووصمةعارفيجبينإيطالياعبرالتاريخ،فقدكانتدولةلاتملكمنسماتالتحضرمقدارعقلةصباع.

وتكريمامنأهاليمدينةبنغازيلجهادهذاالبطلالجَسُور،تمفيفصلصيفسنة1977م،إقامةنصبتذكاريللشهيدالفضيلبوعمرفينفسالمكانالذيعلقبهالفاشسترأسه (الطاهر) بميدانالبركة،وتمتسميةالميدانعلىاسمه. غيرأنالقذافي،فيمابعد،أطلقاسمهعلىالكتيبةالملعونة،كماسبقالإشارة. مَعَاذَاللهِأنيُلصقاسمهذاالشَّهِيدالطاهر،صاحبالسيرةالطيبةالعطرة،باسمكتيبةشريرةملعونة.

2 comments

  1. كم يكون الانسان سعيد عندما يقراء هذه الكلمات ويحزن كثيرا عندماء يري ما يحدث اليوم في ليبيا وبالدات في بنغازي. لو يعلم هؤلاء الابطال والشهداء بما يحاك من قوى الشر وخاصة من يتسترون وراء الدين، سيوجهون غضبهم اتجاهاهم كما وجهوه ضد كثيبة الفضيل بن عمر. هل من يقين وهل من يقضه وهل من وعي… هذه ليبيا وهذا شعب ليبيا ووجهو سلاحكم الي عدوكم وليس لليبيين مرة اخري.

  2. وجاءت أوامر اِسْتخدام الطيران للمرة الثالثة، لطيارين آخرين، هما العقيد طيار علي فرج الرابطي والطيار عبد الله سالم الصالحين، وكان الهدف في هذه المرة ضرب المتظاهرين بمدينة بنغازي.

    يا أخي عيب عليك الكذب : تم تكليف الطيارين المذكورين لضرب مخازن القريات بعد ان استولى عليها ثوار الزنتان يوم 19/2 ومخازن القريات مكونة من 62 دشمة كبيره الحجم استطاع ثوار الزنتان السيطره عليها ونقل الدخيره والعتاد للجبل وقتل منهم اكثر من 8 شهداء وبعض السكان من القريات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s